كانت ليلة أمس ليلة مشهودة بجميع المقاييس. غصت قاعة المحكمة بالمحامين و الصحافيين و ممثلي المنظمات الحقوقية الوطنية و الدولية، و ممثلي القوى السياسية، و مناضلي حركة 20 فبراير، الذين جاؤوا جميعا لمتابعة محاكمة معتقل الحركة، الفنان الشاب معاذ بلغوات، المعروف بمعاذ الحاقد.
معاذ، واحد من مغنيي فن الراب بالمغرب، و ناشط في حركة 20 فبراير، ذو مستوى جامعي، يعمل بيده ليكسب قوت يومه و يعيش بكرامة، و يحمل هموم وطن و شعب، و يعبر عن تلك الهموم بواسطة أغانيه من جهة، و انخراطه العملي و الفاعل في حركة 20 فبراير من جهة أخرى، و نجاحه في صياغة عدد كبير من شعارات الحركة، علاوة على تحول بعض أغانيه نفسها إلى شعارات لحركة 20 فبراير على امتداد المغرب.
من يكون يا ترى هذا الذي جاء ليحتل الواجهة دون أن ينتظر إذناً أو إشارة من أحد؟
يتعين على المرء أن يرى والد معاذ للوهلة الأولى كي يخرج بخلاصات أولية قد تسعف في بلورة جواب: شيخ وقور، ما يزال يقف بكامل قامته الطويلة، و يخطو و يتحرك بحيوية و رشاقة يفتقدها كثير من الشباب مع الأسف، و الابتسامة لا تفارق محياه و هو داخل قاعة المحكمة، حيث يحاكم إبنه، أو في البهو. و تظهر عليه سمات الارتياح النفسي التام، و المعنويات العالية فوق أي تصور، و يقول إنه فخور بإبنه و بنضاله الفني و الحركي، و دوره في محاربة الاستبداد و الفساد إلى جانب رفاقه في حركة 20 فبراير. و حين يتحدث الرجل عن كل ذلك فهو لا يعكس جديدا اكتسبه مع انطلاق حركة 20 فبراير، و إنما يعبر عن قناعات راسخة لديه، و قيم يؤمن بها، و لا شك أنه كان هو من زرعها في إبنه معاذ الذي يوجد رهن الاعتقال الاحتياطي منذ يوم 9 شتنبر الماضي.
ما هي جريمة معاذ التي استوجبت سلبه حريته و إيداعه السجن؟
ظاهرياً، يتعلق الأمر بقضية ضرب و جرح، تقول فيها سلطة الاتهام بأن معاذ اعتدى بالضرب على مواطن مغربي مقيم بالديار الإيطالية، و تسبب له في عجز بدني لمدة 45 يوماً حسب الشهادة الطبية التي أدلى بها هذا الأخير، و ذلك مع سبق الإصرار و الترصد.
لست مختصا في القانون، و لا أسمح لنفسي بالتطاول على تفسير النصوص القانونية، و لست بصدد مرافعة قانونية، لكن المعنى الذي أفهمه من "سبق الإصرار و الترصد" هو أن يكون معاذ قد ذهب، بناء على قرار مسبق، إلى مكان يفترض أن يوجد به "الضحية"، و يقوم بترصده، ليعتدي عليه بالضرب و الجرح.
لكن الوقائع تقول العكس تماماً. ف"الضحية" المزعوم نفسه يقول إنه هو مَنْ ذهب إلى معاذ، أمام بيت أسرته، ليكلمه. و ذلك علماً أنه لم يكن هناك حسب إفادة "الضحية" المزعوم نفسه أي موعد مقرر بينهما. و بالتالي فمعاذ كان في بيته الذي غادره لاقتناء الشامبوان و العودة للاستحمام في حمام البيت. فأين هو "سبق الإصرار"؟ ألم يكن معاذ ينوي الاستحمام و خرج لاقتناء الشامبوان؟ فأين نية ارتكاب الجريمة في خروج أي منا من بيته لاقتناء الشامبوان من الدكان المجاور للبيت و العودة للاستحمام؟
و مادام معاذ في بيته، و أمام بيته، و في الدكان المجاور للبيت، فهو في المكان الذي يُفترض أن يكون فيه بقوة الحياة، و الذي لا يفترض مبدئيا أن يوجد به "الضحية" المزعوم. فأين هو الترصد؟ و متى كان الخروج من البيت ترصدا للغير؟
حين أسمع أن معاذ متهم ب"الضرب و الجرح" أستنتج أن "الضحية" المزعوم ضُرِبَ من طرف معاذ و أصيب نتيجة ذلك بجروح. و الحال أن رواية هذا الشخص نفسه تقول (علماً أن رواياته متناقضة و متضاربة) إن معاذ ضربه من الخلف على مؤخرة رأسه، و أن الضربة تسببت له في غيبوبة، و لا توجد على رأسه ـ في موضع الضربة المزعومة ـ أي جروح. و هو لم يصرح أبدا أن معاذ ضربه بآلة حادة أو راضة من شأنها أن تحدث جرحاً، و إنما يقول إنه ضربه بيده. و لأني أعرف معاذ فإني أعرف أيضا يد معاذ، ببنيته النحيفة، و أعرف أن تلك اليد لا يمكن أن تحدث جرحاً في جسد أرنب فكيف بجسد رجل يضاعف معاذ أكثر من مرتين؟ و إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن ليد معاذ أن تتسبب في حالة غيبوبة؟
لا أطرح هذا السؤال اعتباطاً، و إنما لأن قصة هذه الغيبوبة المزعومة قصة مثيرة فعلا. فالرجل الذي هوت عليه صاعقة يد معاذ كما يحاول أن يصورها ـ و حتى إذا افترضنا أن معاذ يملك قوة محمد علي كلاي ـ لم يصب بالغيبوبة في الحين. و قد التزمت سيدتنا الغيبوبة قاعة الانتظار في المستشفى، و انتظرت إلى أن أكمل "الضحية" تصريحاته للشرطة القضائية التي انتقلت إلى هناك بعد تلقيها مكالمة من المستشفى، و كانت هناك خلال حوالي 15 دقيقة، كما يثبت ذلك محضر المعاينة المنجز من طرف الضابطة القضائية.
للانتقال من مقر الضابطة القضائية المختصة ترابياً إلى المستشفى ـ و كل مَن يعرف الدار البيضاء يمكنه أن يتأكد من هذا ـ تلزمك على الأقل ساعة كاملة على متن السيارة. و لذلك يبدو أن السيدة غيبوبة لم تنتظر فقط 15 دقيقة، و إنما انتظرت ما يزيد عن ساعة كاملة، أو أن الشرط






















